أبو نصر الفارابي
63
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
وهذه تجانس الموجودات الهيولانية ، وذلك أن لها موضوعات تشبه المواد الموضوعة لحمل الصور ( وأشياء هي لها كالصور ، بها تتجوهر ) وقوام تلك الأشياء في تلك الموضوعات . إلا أن صورها لا يمكن أن يكون لها أضداد . وموضوع كل واحد منها لا يمكن أن يكون قابلا لغير تلك الصورة ، ولا يمكن أن يكون خلوا منها . ولأن موضوعات صورها لا عدم فيها ، بوجه من الوجوه ، ولا لصورها أعدام تقابلها ، فصارت موضوعاتها لا تعوق صورها أن تعقل وأن تكون عقولا بذواتها « 1 » . فإذن كل واحد من هذه بصورته عقل بالفعل ، وهو يعقل بها ذات المفارق الذي عنه وجود ذلك الجسم ، ويعقل الأول . وليس جميع ما يعقل من ذاته عقلا ، لأنه يعقل موضوعه ؛ وموضوعه ليس بعقل ؛ وإذا كان ليس يعقل بموضوعه وإنما يعقل بصورته ففيه معقول ليس يعقل ، فهو يعقل كل ما به تجوهره وتصويره ، يعني أن تجوهره بصورة وموضوع ؛ وبهذا يفارق الأول والعشرة المتخلصة من الهيولى ومن كل موضوع . ويشاركه الانسان في المادة « 2 » . فهو أيضا مغتبط بذاته ليس بما يعقل من ذاته فقط ، ولكن بما يعقل من الأول ، ثم بما يعقل من ذات المفارق الذي عنه وجوده . ويشارك المفارق في عشقه للأول وباعجابه بنفسه بما استفاد من بهاء
--> ( 1 ) إن الأجسام السماوية تشبه الأجسام الهيولانية في العالم السفلي ، إذ لكل منها صورة ومادة . ( 2 ) صورة الجسم السماوي عقل بالفعل يعقل الأول والثاني المفارق المقابل والجسم السماوي المؤلف من صورة وموضوع .